الراغب الأصفهاني

24

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

العالمين وجعله كالحيوانات في الشهوة البدنية والغذاء والتناسل والمهارشة والمنازعة وغير ذلك من أوصاف الحيوانات . وكالملائكة في العقل والعلم وعبادة الرب والصدق والوفاء ونحو ذلك من الاخلاق الشريفة ووجه الحكمة في ذلك أنه تعالى لما رشحه لعبادته وخلافته وعمارة أرضه وهيأه مع ذلك لمجاورته في جنته اقتضت الحكمة أن يجمع له القوتين فإنه لو خلق كالبهيمة معرى عن العقل لما صلح لعبادة اللّه تعالى وخلافته كما لم يصلح لذلك البهائم ولا لمجاورته ودخول جنته . ولو خلق كالملائكة معرى عن الحاجة البدنية لم يصلح لعمارة أرضه كما لم يصلح لذلك الملائكة حيث قال تعالى في جوابهم ( إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ) فاقتضت الحكمة الإلهية أن تجمع له القوتان وفي اعتبار هذه الجملة تنبيه على أن الانسان دنيوي وأخروي وانه لم يخلق عبثا كما نبه اللّه عليه بقوله ( أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ) الباب التاسع في تمثيل ذات الانسان وتصويره قد ذكر الحكماء لذات الانسان وقواها مثالا صوروها بها فيتمثل كل ما لا يدرك إلا بالعقل بتصور الحس ليقرب من الفهم فقالوا ذات الانسان لما كان عالما صغيرا كما تقدم جرى مجرى بلد أحكم بناؤه وشيد بنيانه وحصن سوره وخطت شوارعه وقسمت محاله وعمرت بالسكان دوره وسلكت سبله وأجريت أنهاره وفتحت أسواقه واستعملت صناعه